أبي منصور الماتريدي

110

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وما ذا أصابهم بذلك ؛ فعلى ذلك هذا ، فيه الأمر بالمحاجة معهم في آلهتهم : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ آلهتكم التي تعبدون من دون الله ، وتشركونها في ألوهيته وربوبيته ، أو الله الذي خلقكم ؟ فسخرهم « 1 » حتى قالوا : [ الله ] « 2 » هو الذي ينجينا من ذلك ، فقال : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ، فإذا كان هو الذي ينجيكم من هذا لا آلهتكم التي تعبدونها ؛ فكذلك هو الذي ينجيكم من كل كرب ومن كل شدة . ويحتمل قوله - تعالى - : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . أي : لا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر ؛ كقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ * ، أي : لا أحد أظلم من « 3 » تخافون على آلهتكم الهلاك كما تخافون على أنفسكم ؟ فلا أحد سواه ينجيكم من ذلك ومن كل كرب . قال أبو بكر الكيساني : هم عرفوا في الدنيا أنه هو الذي ينجيهم من ذلك كله ، وهو الذي يعطي لهم ما أعطوا بما قامت عليهم الحجج ، ولم يعرفوا أنه هو الذي ينجيهم في الآخرة ويهلكهم ، وهو هكذا : عرفوا الله في الدنيا ، ولم يعرفوه في الآخرة . ثم اختلف في ظلمات البر والبحر : قال بعضهم « 4 » : الظلمات : هي الشدائد والكروب التي تصيبهم بالسلوك في البر والبحر . وقال آخرون « 5 » : الظلمات هي الظلمات لأن أسفار البحار والمفاوز إنما تقطع بأعلام السماء ، فإذا أظلمت « 6 » السماء بقوا متحيرين لا يعرفون إلى أي ناحية يسلكون ، ومن أي طريق يأخذون ، فعند ذلك يدعون الله تضرعا وخفية . قال الحسن « 7 » : التضرع : هو ما يرفع به الصوت ، والخفية : هي ما يدعي سرّا وهو من الإخفاء . وفي حرف ابن مسعود « 8 » : تدعونه تضرعا وخيفة وهي من الخوف .

--> ( 1 ) في ب : فسخر لكم . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : ممن . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 216 ) ( 13346 ) عن قتادة بنحوه وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 31 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . وذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 103 ) . ( 5 ) ينظر تفسير القرطبي ( 7 / 7 ) ، وتفسير الخازن ( 2 / 390 ) . ( 6 ) في ب : أظلم . ( 7 ) ذكر ابن جرير في تفسيره ( 5 / 216 ) ، والقرطبي ( 7 / 8 ) نحو هذا المعنى ، وذكر أبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 154 ) عن الحسن قال : تضرعا أي علانية ، خفية أي نية . ( 8 ) ذكره القرطبي ( 7 / 8 ) ، وأبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 154 ) وقالا في الأعمش فذكراه .